القاضي عبد الجبار الهمذاني
535
شرح الأصول الخمسة
ثم إن الغلاء والرخص ربما يكون من قبل اللّه تعالى ، وربما يكون من قبل السلطان . ما يكون من قبل اللّه تعالى هو أن يقل ذلك الشيء وتكثر حاجة المحتاجين إليه ، أو يكثر ذلك الشيء وتقل حاجة المحتاجين إليه . وأما ما يكون من قبل السلطان فهو أن يسوم رعيته أن لا يبيعوا إلا بقدر معلوم . وإذ قد عرفت ذلك وسئلت عن الأسعار أهي بقضاء اللّه وقدره أم لا ؟ قلت : نعم ولم تحتج فيه إلى التقييد الذي مر في نظائره . فإن قال : إذا قلتم إن الآجال والأرزاق والأسعار كلها بقضاء اللّه وقدره فهلا سميتم أنفسكم قدرية ودخلتم تحت قول النبي عليه السلام : القدرية مجوس هذه الأمة ؟ قلنا : لا لأن ذلك الاسم اسم ذم فلا يستحق إلا على مذهب مذموم ، ونحن براء من ذلك على ما سبق القول فيه . فصل في التوبة وهو آخر فصول الكتاب . التوبة : وإنما أخر هذا الفصل وختم به الكتاب رغبة في أن تكون عاقبة أمره وخاتمة أعماله التوبة ، وترغيبا لنا أيضا في ذلك . وجملة القول في ذلك أن ، المكلف لا تخلو حاله من أمور ثلاثة : إما أن تكون طاعاته أكثر من معاصيه ، أو معاصيه أكثر من طاعاته ، أو يكونا متساويين . لا يجوز أن يكونا متساويين وإن اختلف في علته على ما تقدم . وإذا كانت طاعاته أكثر من معاصيه كانت معصيته صغيرة فلا يجب التوبة عنها عقلا وإنما يجب سمعا ، خلافا لما يقوله أبو علي فإن من مذهبه أن التوبة عن الصغائر تجب عقلا وسمعا ، وقال أبو هاشم : بأنه لا تجب إلا سمعا ، وهو الصحيح من المذهب . والذي يدل على صحته أن التوبة إنما تجب لدفع الضرر عن النفس ، ولا ضرر في الصغيرة فلا تجب التوبة عنها . يبين ذلك ، أنه لا تأثير لها إلا في تقليل الثواب ، ولا ضرر في ذلك . وإذا كانت معاصيه أكثر من طاعاته فهو صاحب كبيرة وتلزمه التوبة لكي يسقط